صديق الحسيني القنوجي البخاري
449
فتح البيان في مقاصد القرآن
الكفار قد عبد غيرهم من الشياطين والأصنام لأنهم أشرف معبودات المشركين ، قال النحاس : والمعنى أن الملائكة إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت للمشركين وتقريع للكافرين واردا على المثل السائر إياك أعني فاسمعي يا جارة . قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ مستأنفة أي تنزيها لك أنت الذي نتولاه ونطيعه ونعبده من دونهم ما اتخذناهم عابدين ، ولا توليناهم ، وليس لنا غيرك وليا ، ثم صرحوا بما كان المشركون يعبدونه فقالوا : بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي الشياطين وهم إبليس وجنوده ويزعمون أنهم يرونهم وأنهم ملائكة وأنهم بنات اللّه . وقيل : كانوا يدخلون أجواف الأصنام ويخاطبونهم منها . أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ أي أكثر المشركين بالجن مؤمنون مصدقون لهم فيما يقولون لهم ، قيل : والأكثر في معنى الكل . فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ وهم المعبودون لِبَعْضٍ وهم العابدون نَفْعاً أي شفاعة ونجاة وَلا ضَرًّا أي عذابا وهلاكا وإنما قيل لهم هذا القول إظهارا لعجزهم وقصورهم وتبكيتا لعابديهم ، وقوله : ولا ضرا هو على حذف مضاف أي لا يملكون لهم دفع ضر والفاء ليست لترتيب ما بعدها من الحكم على جواب الملائكة فإنه محقق أجابوا بذلك أم لا ، بل لترتيب الإخبار به عليه . وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بعبادة غير اللّه ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدنيا ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من أنواع كفرهم فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 43 إلى 48 ] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 43 ) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ( 44 ) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 45 ) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 47 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا القرآنية حال كونها بَيِّناتٍ واضحات الدلالات ظاهرات المعاني على التوحيد قالُوا ما هذا يعنون التالي لها وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلم إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ أي أسلافكم من الأصنام التي كانوا يعبدونها . وَقالُوا ثانيا : ما هذا يعنون القرآن الكريم إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً أي كذب في